السيد حيدر الآملي
502
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
يجوز أن يرى من صور العالم في هذه المرآة إلَّا ما تراءى له منها ، فكان ممّا رآه فيها صورة العرش الَّذي استوى الرّحمن عليه وهو سرير ذو أركان أربعة ووجوه أربعة هي قوائمة الأصليّة الَّتي لو استقبل ( استقلّ ) بها لثبت عينه ( عليه ) ، إلَّا أنّه جعل في كلّ وجه من الوجوه الأربعة له قوائم كثيرة على السواء في كلّ وجه معلومة عندنا أعدادها زايدة على القوائم الأربعة وجعله مجوّفا محيطا بجميع ما يحوي عليه من كرسيّ وأفلاك وجنّات وسماوات وأركان ومولَّدات . فلمّا أوجده استوى عليه الرحمن وأخذ ( واحد ) الكلمة لا مقابل لها فهو رحمة كلَّه ، ليس فيه ما يقابل الرحمة وهو صورة في العماء . ( في أن العقل أب والنفس أمّ ) فالعقل أبوه والنّفس أمّه ولذلك استوى عليه الرحمن فإنّ الأبوين لا ينظران أبدا لولدهما إلَّا بالرّحمة واللَّه أرحم الراحمين . فالنفس ( والنفس ) والعقل موجودان كريمان على اللَّه محبوبان للَّه فما استوى على العرش إلَّا بما تقربه أعين الأبوين وهو الرّحمن . فعلمنا أنّه ما يصدر عنه إلَّا ما فيه رحمة ، وإن وقع ببعض العالم غصص فذلك لرحمة فيه لولا ما جرعه إيّاها اقتضى ذلك مزاج الطبع ومخالفة الغرض النفسي ، فهو كالدّواء الكريه الطعم المستلذ ، وفيه رحمة للذي يشربه ويستعمله وان كرهه ، باطنه ( فباطنه ) فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، وما يستوي عليه الرحمن تعالى إلَّا بعد ما خلق الأرض : وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [ فصلت : 10 ] .